أخبار

السفير الدكتور عادل عيد يوسف يكتب : ثروة البيانات المصرية من التسريب إلى تأسيس السيادة رقمية

 

في عالمٍ باتت فيه البيانات أقوى من النفط، وأكثر تأثيرًا من السلاح، تقف مصر اليوم على مفترق طرق مصيري.

 

 

فبينما تتسابق الدول الكبرى لبناء جدران حماية رقمية تحصّن بها ثرواتها المعلوماتية، لا تزال ملايين الجيجابايتات من بيانات المصريين تتسرب يوميًا إلى الفضاء الرقمي المفتوح، بلا ضابط ولا رقيب، لتلتقطها الشركات العملاقة في وادي السيليكون وبكين، وتُعيد تدويرها وتحويلها إلى أدوات للربح، بل وللنفوذ الناعم وتوجيه المجتمعات.

 

لم تكن مبادرة التحول الرقمي في مصر خطوة هامشية، بل جاءت ضمن رؤية طموحة لبناء دولة عصرية تعتمد على التكنولوجيا في إدارة شؤونها وتقديم خدماتها، وقد بدأنا نلمس نتائج هذه الرؤية في رقمنة الخدمات الحكومية ببعض المحافظات، مثل بورسعيد، وفي إطلاق بطاقة الخدمات الموحدة التي تجمع ما بين الدعم والتموين والهوية الرقمية، ما يُشير إلى أن الدولة تسير على الدرب الصحيح، وإن كان الطريق لا يزال طويلاً ويحتاج إلى جذور رقمية أعمق وأشدّ رسوخًا.

 

لكن ما يغيب عن المشهد، أو يتم التغاضي عنه، هو أن البيانات التي تُنتجها مصر يوميًا – بفضل عدد سكانها الهائل الذي يتجاوز 120 مليون نسمة – تمثل ثروة قومية لا تقل أهمية عن قناة السويس أو الغاز الطبيعي. فكل عملية تصفح، وكل رسالة واتساب، وكل فيديو يتم مشاهدته على تيك توك، يُنتج بيانات دقيقة عن تفضيلات الناس، وسلوكهم، وأنماطهم الاجتماعية والشرائية والنفسية. هذه البيانات، حين تُجمع وتُحلل، لا تُستخدم فقط في بيع المنتجات، بل في توجيه المزاج العام، وتشكيل الرأي الجمعي، وتحديد اتجاهات المستقبل.

وفي هذا السياق، يظهر الوجه الآخر للمسألة: شركات التكنولوجيا الكبرى – مثل ميتا (فيسبوك وإنستغرام وواتساب) وجوجل وتويتر – لا تقدّم خدماتها بالمجان حبًا في الإنسانية، بل لأنها تتغذى على هذه البيانات، وتبني عليها نماذج ذكاء اصطناعي تتنبأ بسلوك الأفراد، وتؤثر على قراراتهم، سواء كانت شرائية أو سياسية أو ثقافية. الخطر هنا لا يكمن في مجرد التجسس، بل في أن يصبح الإنسان كيانًا يمكن التنبؤ به، ومن ثم التحكم فيه، تمامًا كما تتحكم الخوارزميات في تدفق المعلومات.

لقد أدركت أوروبا هذا التهديد مبكرًا، وبدأت في تحجيم نفوذ هذه الشركات عبر قوانين مثل “الـGDPR”، وقيدت وصول جوجل وفيسبوك إلى بيانات المواطنين الأوروبيين. بل إن الاتحاد الأوروبي فرض غرامات بمليارات الدولارات على هذه الشركات، وألزمها بتخزين البيانات داخل القارة، وهو ما دفع مسؤولين أمريكيين، كـ «جي دي فانس»، إلى التعبير عن انزعاجهم من ذلك في مؤتمرات دولية، بحجة حرية التعبير وحقوق الوصول. أما دول أخرى كالهند وتركيا، فقد بدأت في سنّ تشريعات تجبر الشركات الأجنبية على تخزين البيانات محليًا، بينما ذهبت روسيا والصين إلى أبعد من ذلك.

في الصين، نموذج يُثير الإعجاب والتأمل. فقد بنت الدولة تطبيق «وي شات» الذي لا يُعد مجرد بديل لواتساب، بل منصة متكاملة تشمل الرسائل، والدفع الإلكتروني، والخدمات الحكومية، وحتى حجز تذاكر الطيران. المواطن الصيني لا يحتاج للخروج من وي شات، لأنه يوفر له كل ما يحتاجه داخل بيئة رقمية واحدة، خاضعة للسيادة الوطنية، ومحمية بقوانين الدولة. والأهم، أن الصين منعت عمل ميتا وتويتر وجوجل داخل أراضيها، وفرضت قيودًا صارمة على أي تطبيق أجنبي يريد العمل في السوق الصيني، حفاظًا على بيانات مواطنيها.

روسيا، من جانبها، طورت محرك البحث «ياندكس»، وهو ليس مجرد بديل لجوجل، بل ينافسه في دقة البحث داخل اللغة الروسية، كما أنشأت منصات تواصل اجتماعي محلية مثل VKontakte، ومنعت استخدام بعض المنصات الغربية التي رفضت الامتثال لقوانينها. هذه الدول لم تفعل ذلك بدافع الانغلاق، بل لحماية سيادتها الرقمية، ولأنها تدرك أن من يمتلك البيانات، يمتلك مفاتيح المستقبل.

من هنا، لا بد لمصر أن تتحرك بخطى حثيثة في الاتجاه ذاته، ليس فقط لبناء مراكز بيانات قوية – وهو أمر ضروري – بل لإنشاء بيئة رقمية متكاملة ذات سيادة وطنية. نحتاج إلى مشروع وطني كبير لتطوير تطبيق مراسلة فوري مصري، يمكن أن يكون بديلاً حقيقيًا لواتساب، يعمل داخل خوادم محلية، وبشفرات تخضع للرقابة القانونية الوطنية، لا الاستخبارات الأجنبية. كما نحتاج إلى إطلاق منصة تواصل اجتماعي مصرية، تبدأ باستهداف المستخدم المحلي بمحتوى مخصص، ثم تتوسع إقليميًا ولا مانع من ان يتم اضافة الكثير من الميزات المحلية التي تشجع المستخدم علي استخدامه مثل محتويات فنية مجانيّة محلية و ربط مع تحويل الأموال و حفظ الوثائق و منصات بديلة محلية للمؤثرين تكون مجانية لتشجيع التحول للمنصات المحلية .

والأمر لا يقف عند حدود التطبيقات، بل يشمل منظومة كاملة من القوانين والتشريعات، التي تُلزم الشركات الأجنبية بتخزين بيانات المصريين داخل البلاد، وتُتيح للمواطنين حق معرفة من يستخدم بياناتهم وكيف. كما يجب أن تُمنح الشركات المحلية والمطورين الشباب حوافز قوية لتطوير خدماتهم الرقمية، عبر صناديق تمويل وطنية، وشراكات مع الجامعات ومراكز البحث العلمي.

إن مصر، بما تمتلكه من كنز سكاني هائل، قادرة على أن تتحول إلى دولة رائدة في إنتاج البيانات، لا مجرد مستهلكة للتكنولوجيا.

 

ولكن شريطة أن نكفّ عن إلقاء بياناتنا في البحر، ونتعامل معها كموارد استراتيجية يجب تنظيمها وحمايتها وتوظيفها. لأن البيانات ليست فقط أرقامًا على الخوادم، بل هي عقل الأمة وروحها ومستقبلها.

وإذا لم نبادر اليوم بتأميم هذه الثروة الرقمية، سنجد أنفسنا غدًا ندفع ثمنًا باهظًا لنماذج تفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا، وتُعيد تشكيلنا كما تشاء. وعندها، سيكون الوقت قد تأخر كثيرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى